فخر الدين الرازي

213

شرح عيون الحكمة

وأما الجواز الخارجي فهو كقولنا : هذا الجسم يجوز أن يبقى في مكانه ، ويجوز أن ينتقل عنه . فهذا الجواز ليس جوازا ذهنيا بل هو جواز خارجي ، بمعنى : أن العقل قاطع بأنه لا امتناع في وجود هذه الحالة ، ولا امتناع في عدمها . فثبت : أن الجواز بالمعنى الأول مغاير للجواز بالمعنى الثاني ، فيجب على العاقل أن يتنبه لهذا الفرق . المقدمة الخامسة : ربما اشتبه على بعضهم الوجوب المتقدم على الوجوب المتأخر عن الوجود . فانا إذا حكمنا على شيء بأنه ممكن في وجوده وعدمه . فربما قيل : ادعاء هذا الامكان محال . لأن هذا الشئ إما أن يكون موجودا أو معدوما . فإن كان موجودا فوجوده ينافي عدمه ، فوجب أن ينافي امكان عدمه ، لأنه حال كونه موجودا يمتنع أن يكون معدوما . فكيف يعقل أنه في هذه الحالة يمكن أن يكون معدوما ؟ وأما ان كان معدوما . فعدمه ينافي وجوده ، فوجب أن ينافي امكان وجوده . وإذا كانت الحقيقة والماهية لا تنفك عن الوجود وعن العدم ، وكان كل واحد منهما منافيا لحصول امكان الآخر ، لا جرم امتنع كون الماهية محكوما عليها بالامكان . والجواب عنه : ان هذا مغالطة . وذلك لأن الوجوب وجوبان : وجوب متقدم على الوجود ، ووجوب متأخر عن الوجود . أما الوجوب المتقدم على الوجود ، فهو أن تكون الماهية مقتضية للوجود ، فتكون ماهيته مقتضية لوجوده . حالة نقدمه على وجوده . وهذه الحالة مسماة بالوجوب المتقدم على الوجود ، وأما الوجوب المتأخر فهو أن الشيء إذا صار موجودا كان وجوده منافيا لعدمه ومانعا من عدمه ، وامتناع العدم عبارة عن الوجوب . وهذا الوجوب متفرع على الوجوب ومتوقف عليه . فثبت : أن الوجوب الأول متقدم على الوجود ، وأن الوجوب الثاني متأخر عن الوجود . وإذا عرفت هذا فنقول : هذان الوجوبان غير متلازمين ، لأنه لا يبعد أن تكون حقيقة الشئ من حيث إنها هي ، قابلة للوجود